السيد محمد الصدر
170
أصول علم الأصول
حركته ونحو ذلك . ولمَّا رأى الإنسان أنَّ هذا بمجرّده لا يكفي ، حاول أن يخالف بين أصواته ، بمعنى : أن يجعلها مختلفة ومتعدّدة ودقيقة نسبيّاً ، كالتفريق - مثلًا - بين صوت الأسد وصوت الفرس وصوت الثعلب وصوت الهرّة ، وهكذا . وإلى هنا لم يكن يوجد حروف محدّدة أو كلمات متميّزة ، وإنَّما هي أصوات واردة مورد أصلها الطبيعي ، وكان الأهم في التفهيم يومئذٍ عدّة أُمور : أوّلًا : الإشارة إلى الغير . ثانياً : الإشارة إلى المتكلِّم نفسه . ثالثاً : مشاهدة ردّ الفعل لدى السامع . رابعاً : استخدام الذاكرة كمساعد على التفهيم . خامساً : الحدس في فهم هذه اللغة البسيطة . وكلّ ذلك ونحوه اقترانات ذهنيّة طبيعيّة وليست وضعاً لغويّاً ولا إنشاءً جعليّاً . وإنَّما احتاج المجتمع إلى اقتران جعلي لدى تعدّد الحاجات وتكثّرها ، واقتضاء الضرورة إلى التوسّع في اللغة . وكان تعدّد اللغات وانشعابها ، بانشعاب المجتمعات وانقسامها ، من حيث إنَّ المجتمع الواحد إذا انقسم يبقى القسمان يتكلّمان نفس اللغة ردحاً من الزمن ، ولكن يحصل خلال السنين تطوّر قهري في لغة كلٍّ من المجتمعين ، وخاصّة مع الحال القديم من تعذّر الاتّصال وانقطاع وسائط النقل ، حتّى يبلغ الحال إلى درجة أنَّه لو التقى فردان من هذين المجتمعين فإنَّهما لا يستطيعان